فوزي آل سيف
3
من قصة الديانات والرسل
ولنضرب مثالا يوضح المطلوب؛ فلو أن دولةً من الدول لها شبكة مواصلات من جسور وشوارع، وشبكات تعليم من مدارس وجامعات، ونظام صحي من مستشفيات ومراكز، وتدار بنظام حكم معين، ثم تغير هذا الحكم بانقلاب أو احتلال أو انتخابات أو غير ذلك، وألغي النظام السابق فهذا لا يعني تعطيل البنية التحتية المذكورة للدولة، أو تخريب تلك المؤسسات وإنما يعني أن الاعتبار السابق الذي كان يستند إلى شخص حاكم أو مجموعة حكومة قد انتهى! فالأوامر للحاكم السابق أو حكومته لم تعد نافذة والخطط والقرارات ليست ملزمة، وإنما النافذ والملزم هو ما تقرره الحكومة الجديدة والحاكم الجديد. وما يقوم به العاملون هو غير مستند إلى حاكمهم ومديرهم السابق وإنما هو إلى الحاكم والمدير الجديد. وهناك قرارات جديدة لم تكن في السابق قائمة، بل ما كان في السابق هناك تكميلات عليه وإضافات وشروط.. وبعض ما كان مقررا في السابق أصبح غير سارٍ بل غير مطلوب، بل إن الحاكم السابق أو المدير السابق لو كان باقيا فإنه هو بنفسه يخضع لهذه البرامج الجديدة[1] فضلا عن غيره... وهكذا. وهذا مثال تقريبي. ومثلما أن المراكز التعليمية والصحية وشبكات المواصلات لا تهدم فكذلك هي الخطوط العامة المشتركة بين الرسالات كالإيمان بتوحيد الله والمعاد والبرامج الأخلاقية والأصول العبادية وغيرها، فإنها لا تحذف! وإنما تتغير وتتطور في أشكالها وتفاصيلها. إن مقتضى التطور العقلي والعلمي للبشر هو أن يتم التدرج في الرسالات وأن تأتي اللاحقة مكملة للسابقة وتنسخها، مثلما أنه في هذه الأيام عندما يتم اصدار تطبيق معين أو نظام تشغيل فإنه بعد مدة من الزمان لضرورات تطويره يُنسَخ، وهو هنا في نفس الوقت الذي يحافظ على أرضيته الأولى فإنه ـ بعد تحديثه ـ لا يكون صالحا للمرحلة اللاحقة، ولا يتعامل مع معطياتها. التدرج هو نفسه يعطي معنى النسخ ـ بالمعنى الذي تقدم ذكره ـ فإنه ما دام أن الأنبياء قد أُمروا أن يكلموا الناس على قدر عقولهم، فلا بد أن يخاطبوهم بغير ما تمت مخاطبة سابقيهم ممن كانت عقولهم وعلومهم في درجة مختلفة!! خريطة الأنبياء والرسل: مع ملاحظة أن القسم الأعظم من المرسلين لم يذكروا حتى بأسمائهم فضلا عن قصصهم ورسالاتهم، كما أخبر القرآن الكريم (وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ)[2]، بل لا يشكل الذين ذكروا في القرآن إلا العدد الأقل. فإننا سوف نتعرض باختصار لما قيل ويقال في شأن التسلسل الرسالي. سنلاحظ ملاحظة لم نجد لها تفسيرًا واضحًا وهي تفاوت أعمار الرسل بشكل كبير، ففيما قيل أن النبي آدم عمر ما يقارب الألف سنة، كان عمر النبي سليمان والمصطفى محمد صلى الله عليه وآله فوق الستين سنة، وفيما ذكر عن نبي الله نوح أنه (لبث في قومه) تسعمائة وخمسين سنة،
--> 1 المقريزي، تقي الدين: إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع 3/ 117: عن جابر عن عمر بن الخطاب قال: «أتيت النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم ومعي كتاب أصبته من بعض أهل الكتاب فقال: والّذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيًّا اليوم ما وسعه إلا أن يتبعني ". وبتفصيل أكثر الأحمدي الميانجي في مكاتيب الرسول 544 قال: وفي رواية أخرى:" أنه مر برجل وهو يقرأ كتابًا فقال للرجل: أ تكتب لي من هذا الكتاب؟ قال: نعم، فاشترى أديما فهناه ثم جاء إليه فنسخه له في ظهره وبطنه، ثم أتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأه عليه، وجعل وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلون، فضرب رجل من الأنصار بيده الكتاب- قيل هو عبد الله بن ثابت- وقال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب، أ لا ترى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ اليوم وأنت تقرأ عليه هذا الكتاب؟! وفي نص تاج العروس:" قال له عمر: إنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا، أ فترى أن نكتب بعضها فقال: أ متهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي". 2 النساء: 164